الشيخ علي المشكيني
92
رسائل قرآنى
البحث الثاني الأربعون : من أخلد إليها خسر إنّما هي التي من أحبّها وتمنّى الدوام فيها وتبع هوى نفسه في اختيارها وإيثارها - كبلعم ومن أشبهه - سلبه اللَّه علمه وعقله ، ولم يرفعه إلى منازل الصالحين ، فيكون مَثَله كمثل الكلب ؛ قال تعالى : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا « 1 » . إيتاء الآيات عبارة عن تعليمها ، والمراد بالآيات علائم التوحيد وأدلّة المعارف الحقّة الإلهيّة ، فانكشف لديه علوم الأصول والحكم الربانيّة . والانسلاخ : خروج عن اللباس أو عن الجلد ، وهو كناية عن خروجه عمّا كان زينة لنفسه أو ملازماً لها منذ برهة من الزمان . وأتبعه الشيطان ، أيتبعه للإغواء ، أو تبعه حتّى وصل إليه فصرعه . ولو شئنا ، أيلو أردنا بعد ما آتيناه الآيات توفيقه على الاستقامة ، وبقاءه على الهداية والكمال ، ودفع مكائد الشيطان عنه ، ورفع مقامه ومنزلته بحيث لا يغلبه الشيطان ، لفعلنا ذلك في حقّه ، إلّاأنّه كان مشروطاً بعدم اختياره الدنيا والركون إليها عملًا ؛ فحيث إنّه مال إليها وأخلد ، تركنا توفيقه ورفع منزلته . وقوله : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ شبّه اللَّه تعالى في هذا المثال حال العالم الديني التارك للعمل والمكبّ على الدنيا ولذّاتها والحرص على تحصيل الجاه وحفظ مقام الرئاسة بحال الكلب العطشان الذي يخرج لسانه . وشبّه وعظه وتوبيخه على فعاله وترك الوعظ والتوبيخ بالحملة على ذلك الكلب وترك الحملة . وشبّه بقاء حبّه وميله إلى الدنيا وعدم تغيّر حاله - سواء وعظ أم لم يوعظ - ببقاء حالة العطش في الكلب المزبور ودوام ولوغ لسانه ، سواء أحمل عليه أم لم يحمل . وقال تعالى : أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ « 2 » .
--> ( 1 ) . الأعراف ( 7 ) : 175 - 176 . ( 2 ) . المؤمنون ( 23 ) : 55 - 56 .